في ظلال الآيات (37)

339

في ظلال الآيات (37)

{قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (يوسف:11-12).

مقدمة من نقطتين:

النقطة الأولى: في هذا المقطع من سورة يوسف بداية الحكاية عن مؤامرة متدنية استهدفت هذا النبي الشريف ×، ولا يخفى أنه × ساهم مساهمة مهمة في نفع البشرية، والتغيير نحو التوحيد والإصلاح.

النقطة الثانية: هناك نظرية في علم التفسير تقول: إن كل سورة من سور القرآن الكريم فيها هدف عام رئيسي تستهدفه السورة بجميع آياتها، وهناك أهداف فرعية من عبر ومواعظ وأحكام.. تجدها هنا وهناك في تفاصيل السورة، إذا صحت هذه النظرية، فإننا نستطيع القول بأن الهدف الرئيسي من سورة يوسف هو أن الله تعالى يريد إلفات نظر البشر إلى أنه إذا أراد أن يرفع أحداً فلو اجتمع الجن والإنس على أن يضعوه ما تمكنوا، والعكس أيضا صحيح.. وعلى هذا الضوء لو أراد جماعة أن يضعوا شخصا يريد الله رفعه فإنهم سيفشلون؛ لأنه تعالى يخطط كما هم يخططون {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} الأَنْفال: 30.. ولذا تجد إخوة يوسف باعوه عبدا فوجدوه ملكاً.

بعد هذه المقدمة نعود الى النص:

قوله تعالى: {قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ}.

 

وفي هذا المقطع ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: حول الدافع الذي دفع أخوة يوسف لمحاولة قتله ومن ثم بيعه.. ولا ريب أنه كان الحسد، كما قال تعالى: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (يوسف:8)، حيث أنهم لاحظوا اهتمام يعقوب بيوسف وبنيامين أكثر منهم، والسبب في ذلك أنهما كانا نبيين، فحسدوهما؛ لأنهم رأوا أنهم سيأخذون موقع أبيهم بالرغم من أنهما أصغرهم جميعاً.

وفي ذلك درس للآباء والأمهات أن لا يميزوا بين الأبناء في التعامل الأمر الذي قد يولد الحسد وقد يتطور الى الحقد والإنتقام.. حتى جاء في بعض الروايات: أن رجلاً كان عند رسول الله ’، فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه، وجاءته بُنيَّة له فأجلسها بين يديه، فقال رسول الله ’: (ألاَ سويت بينهما؟)[1]، وفي البحار: (هلا واسيت بينهما)[2]، يعني المساوات في التقبيل والجلسة.. وفي مسند أحمد عن النعمان بن بشير عن النبي ’: (اعدلوا بين أبنائكم)[3].

المبحث الثاني: نلاحظ لحن الخطاب الذي جاء به ابناء يعقوب لأبيهم، حيث قالوا: {يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ}، وهاهنا نقطتان:

النقطة الأولى: يبدو من كلامهم أنهم طلبوا يوسف أكثر من مرة ليذهب معهم وكان يعقوب يرفض ويبدي تخوفه، ولهذا نجدهم يتساءلون:  {مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا}.

النقطة الثانية: إنهم بالرغم من كونهم قد تآمروا، وأضمروا في أنفسهم أنهم يريدون التخلص منه، إلا أنهم جاءوا بكلام ناعم، يبدون فيه له النصح {وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ}.

وهاهنا  فائدة جداً مهمة وهي أن العدو والخصم والمتربص بك يأتيك بثوب الصديق، ولا يفصح لك بنواياه الحقيقية.. ذئب بلباس كبش.. وهكذا يأتي المحتل بشعارات التحرير وحقوق الإنسان والديمقراطية، والمفسدون يأتون بلباس التحضر، فيسمون الرقص فن، والخلاعة في بعض الألعاب رياضة، وبيع الخمور وممارسة الفجور حرية الشخصية.. وغير ذلك من الأمور. 

المبحث الثالث: يبدو أيضاً أن يعقوب كان يعلم بخبث نواياهم، فلم يكن يقبل بإرساله معهم.. ولكن لماذا أذعن في النهاية وقبل بإرساله معهم؟

وجوابه بعدة أمور:

الأمر الأول: لأن الحرص الزائد على الولد وقربه الدائم من الوالد، قد يصنع منه إنساناً ضعيف الشخصية، مهزوز، إتّكالي، فلذا لابد من إقصائه قليلاً عن الوالدين، وتعويده على الاعتماد على النفس.. وهذه الظاهرة موجودة حتى في الحيوانات.

فمثلاً: الدجاجة التي تحتضن بيضها وترعى صغارها، نراها بعد حين تبدأ بنقرهم ليبتعدوا عنها، ويعتمدوا على أنفسهم في البحث عن الطعام.. وكذا الطير في العش بعد أن ينبت الريش لصغيره يقوم بدفعه واخراجه من العش حتى لو أدى ذلك لسقوطه، ليتعود على الطيران… 

الأمر الثاني: لا بد أن يكون هناك أمر من الله تعالى بإرساله معهم؛ لتجري الأمور بمشيئة الله وحكمته.     

الأمر الثالث: إن يعقوب وإن كان عالماً بنواياهم من خلال الوحي ولكنه كان يجري الأمور على ظاهرها ولا يتعامل معهم على طبق علمه الباطن، وهكذا كان يتعامل أهل البيت ^ مع الأمور ويسيرون معها على طبق الظاهر، وإن السير مع الأمور بظاهرها ينسجم مع القاعدة التي تقول: (لا يجوز القصاص قبل الجناية).

قوله تعالى: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.

وفي هذا المقطع نظرية متكاملة عن التربية، حيث أن الطفل يحتاج الى ثلاثة أمور:

* الطعام

* اللعب 

* التربية 

الأمر الأول: الطعام، ونستفيده من قوله تعالى: {يَرْتَعْ}، بمعنى يأكل، ويعتبر الطعام أحد حاجات الإنسان الرئيسية الثلاث: (الطعام واللباس والسكن)، ولا ريب أن الإنسان في جميع مراحل حياته يحتاج الى الطعام، وتنوعه وجودته، وهذا من أبسط حقوقه، وهو ما قد يسمى بالأمن الغذائي، بل إن بعض الأطعمة لا بد من تناولها كعلاج ومقوم للبدن، كالمرضى بفقر الدم وهشاشة العظام وغيرها.. كما أن للطعام مدخلية حتى في تشكيل وتكوين الهيئة الخارجية للإنسان، كما ورد في بعض الروايات  عن أبي عبد الله × قال: من أكل سفرجلة على الريق طاب ماؤه وحسن ولده[4].. بل إن بعض الطعام له آثار قلبية وروحية، كما ورد عن أمير المؤمنين ×: أكل العدس يرق القلب ويكثر الدمعة[5]، أو أكل الرمان يوم الجمعة ينور القلب[6]

الأمر الثاني: اللعب أو اللهو المباح وفي الحدود المعقولة، وهذا نستفيده من قوله تعالى: {وَيَلْعَبْ}، واللعب من الحاجات الضرورية للطفل، وقد جاء التأكيد عليه في الروايات، فعن عن أبي عبد الله × قال: (دع ابنك يلعب سبع سنين…)[7]، وفي خبر آخر: (الغلام يلعب سبع سنين، ويتعلم الكتاب سبع سنين، ويتعلم الحلال والحرام سبع سنين)[8].

بل أكثر من ذلك ورد الحث على تعليم الأبناء بعض الروايات الألعاب والرياضات النافعة، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (علموا أولادكم السباحة والرماية)[9].

واللهو المباح وفي الحدود المعقولة قد يكون من الأمور الراجحة حتى للكبار، وقد تكون ذات نفع؛ لأن فيها شيئاً من الراحة النفسية والتغيير، والقوة للبدن، وغير ذلك من الأمور، كما نسمع في الروايات أن النبي ’ كان يجري السباقات في الرماية وفي ركوب الخيل بين أصحابه، ففي الخبر عن علي بن الحسين ×: (أجرى الإبل مقبلة من تبوك، فسبقت العضبا وعليها أسامة، فجعل الناس يقولون: سبق رسول الله، ورسول الله ’ يقول: سبق أسامة)[10].

وعن الباقر ×:  إن رسول الله ’ أجرى الخيل التي أضمرت من الحصى إلى مسجد بني زريق وسبقها من ثلاث نخلات، فأعطى السابق عذقا، وأعطى المصلي عذقا، وأعطى الثالث عذقا[11].

الأمر الثالث:  الرعاية والتربية، وهي المستفادة من قوله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، والتربية في الإسلام تقع في ثلاثة مراحل: (الطفولة والصبا والفتوة)، وكل مرحلة من هذه المراحل عبارة عن سبع سنوات، فإذا تمت أكمل الواحد وعشرين عاماً، وصار رجلا تاماً.

هذا وقد وردت عدة أحاديث تبين تفاصيل عمل الوالدين في هذه المراحل منها ما رواه الصدوق مرسلا عن الصادق ×: (دع ابنك يلعب سبع سنين، ويؤدب سبع سنين، وألزمه نفسك سبع سنين، فإن أفلح وإلا فإنه ممن لا خير فيه)[12].

وعن النبي ’: (الولد سيد سبع سنين، وعبد سبع سنين، ووزير سبع سنين، فإن رضيت خلائقه لإحدى وعشرين سنة وإلا ضرب على جنبيه فقد أعذرت إلى الله)[13].

وعن أبي عبد الله × قال: قال رسول الله ’: (من قبّل ولده كتب الله له حسنة، ومن فرحه الله يوم القيامة، ومن علمه القرآن دعي بالأبوين فكسيا حلتين تضئ من نورهما وجوه أهل الجنة)[14].

وعن أبي عبد الله × قال: (الغلام يلعب سبع سنين، ويتعلم الكتاب سبع سنين، ويتعلم الحلال والحرام سبع سنين)[15]. وغير ذلك من أحاديث…

     

 

 

 



[1] عمدة القاري، ج13ص145.

[2] ج101ص99.

[3] ج4ص275.

[4] الكافي، ج6ص357.

[5] الكافي، ج6ص343.

[6] الكافي ج6ص354، علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: من أكل رمانة على الريق أنارت قلبه أربعين يوما. وعن علي بن محمد بن بندار، عن أبيه، عن محمد بن علي الهمداني، عن أبي سعيد الرقام، عن صالح بن عقبة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كلوا الرمان بشحمه فإنه يدبغ المعدة ويزيد في الذهن.

[7] الكافي ج6ص46.

[8] الكافي ج6ص47.

 

[9] الكافي، ج6ص47.

[10] الوسائل، ج19ص256.

[11] الوسائل، ج19ص255.

[12]من لا يحضره الفقيه، ج3 ص493.

[13] الوسائل، ج15ص195.

[14] الوسائل، ج15 ص194.

[15] الوسائل، ج15ص194.