في ظلال الآيات خلقة(45)

218

في ظلال الآيات خلقة(45)

الشيخ عبد الرزاق النداوي

 

{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} (آل عمران:103).

يعتبر موضوع الوحدة الإسلامية من أهم المواضيع التي اعتنى بها القرآن الكريم والسنة الشريفة، ولأجل أن يبقى المجتمع موحدا متماسكا وضع الشارع المقدس مجموعة من الروافد التي تصب في هذا الموضوع سنعرض لها خلال البحث.

فالكلام في الآية ينصب على أربعة مباحث:

الأول: معنى حبل الله والاعتصام به.

الثاني: روافد الوحدة الإسلامية.

الثالث: معنى النعمة.

الرابع: أنواع الأخوّة في الإسلام.

وسنعرض لها مفصلا فيما يأتي:

المبحث الأول: معنى حبل الله والاعتصام به.

قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}

الإعتصام هو التمسك، وقد جاء الأمر به في القرآن في موردين، أحدهما في قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (الحج:78)، وكما هو واضح أن الإعتصام هنا بالله مباشرة، {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (آل عمران:101).

والآخر هو الآية الحاضرة التي نحن بصدد تفسيرها، وفيها الإعتصام بالواسطة؛ لأنه قال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ}، فاللازم هنا أن نعرف ما المقصود بحبل الله تعالى، وفي هذا المجال يوجد رأيان:

الرأي الأول: أن المقصود بحبل الله القرآن الكريم، واستدل على ذلك بأمور منها:

(1) حديث الثقلين، فقد روى الصدوق في الخصال عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ’: (إني تارك فيكم أمرين أحدهما أطول من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)([1])، وقريب منه ما في صحيح مسلم.

(2) ما روي عن علي بن الحسين عليهم السلام، قال: الامام منا لا يكون إلا معصوما وليست العصمة في ظاهر الخلقة فيعرف بها ولذلك لا يكون إلا منصوصا.

فقيل له: يا ابن رسول الله فما معنى المعصوم؟

فقال: هو المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة، والامام يهدي إلى القرآن والقرآن يهدي إلى الامام، وذلك قول الله عز وجل: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } (الإسراء:9)([2]).

الرأي الثاني: إن حبل الله هو ولاء آل محمد، قال الإمام الشافعي:

ولما رأيت الناس قد ذهبت بهم ** مذاهبهم في أبحر الغي والجهل

ركبت على اسم الله في سفن النجا ** وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل

وأمسكت حبل الله وهو ولائهم ** كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل

يشير في البيت الأخير الى الآية محل البحث.

وقد استدل لهذا الرأي بأمور منها:

(1) ما روي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ‘ قال: كان رسول الله ’ ذات يوم جالسا ومعه أصحابه في المسجد، فقال: يطلع عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة يسأل عما يعنيه، فطلع رجل طوال يشبه برجال مضر، فتقدم فسلم على رسول الله ’ وجلس، فقال: يا رسول الله اني سمعت الله عز وجل يقول فيما أنزل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، فما هذا الحبل الذي أمرنا الله بالاعتصام به وألا نتفرق عنه؟

فأطرق رسول الله ’ ملياً، ثم رفع رأسه وأشار بيده إلى علي بن أبي طالب × وقال: هذا حبل الله الذي من تمسك به عصم به في دنياه ولم يضل به في آخرته.

فوثب الرجل إلى علي × فاحتضنه من وراء ظهره وهو يقول: اعتصمت بحبل الله وحبل رسوله، ثم قام فولى وخرج.

فقام رجل من الناس فقال: يا رسول الله ألحقه فأسئله أن يستغفر لي؟

فقال رسول الله: إذا تجده موفقاً،

فقال: فلحقه الرجل فسأله أن يستغفر الله له.

فقال له: أفهمت ما قال لي رسول الله ’ وما قلت له؟

قال: نعم.

قال: فإن كنت متمسكا بذلك الحبل يغفر الله لك وإلا فلا يغفر الله لك([3]).

(2) ما يزار به امير المؤمنين × يوم ميلاده: (السَّلامُ عَلَيكَ يا مُظْهِرَ البَراهِين، السَّلامُ عَلَيكَ يا طه وَيَّس، السَّلامُ عَلَيكَ يا حَبْلَ الله المَتِين)([4]).

وورد أيضا في زيارة الإمام علي الهادي ×:  (السَّلامُ عَلَيْكَ يا صَفِيَّ الله السَّلامُ عَلَيْكَ يا سِرَّ الله السَّلامُ عَلَيْكَ يا حَبْلَ الله)([5]).

والحق أن كلا الرأيين يمكن اعتبارهما واحد، كما سمعنا في رواية زين العابدين × المتقدمة حيث قال بحسب الرواية: (والامام يهدي إلى القرآن والقرآن يهدي إلى الامام)، أو كما نسمع في الرواية عن النبي ’:  (علي مع القرآن والقرآن معه، لا يفترقان حتى يردا علي الحوض)([6]).

قوله تعالى: {جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} توكيدان، الأول: بلفظ {جَمِيعًا}، والثاني: بالنهي عن الضد، وقد ثبت في علم الأصول أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، فمن قال لك: كن صادقاً، فبالتحليل يتبين أن هذا في الحقيقة أمران: أمر بالصدق ونهي عند ضده الذي هو الكذب، فعندما يأمرنا الله تبارك وتعالى: بالاعتصام بحبله فإنه ينهانا بالوقت نفسه عن الفرقة، ولكنه مع ذلك قال: {وَلَا تَفَرَّقُوا}، وذلك لأهمية الموضوع وخطورته… والمسألة في علم الأصول متشعبة والبحث فيها طويل الذيل، وإنما أخذنا منها موضع الحاجة.

المبحث الثاني: روافد الوحدة الإسلامية

ولأهمية هذه المسألة ـ كما قلنا ـ فقد أسس اشارع المقدس لمجموعة من الروافد التي تصب في موضوع الوحدة لأجل رص الصفوف، ووحدة الكلمة، ومنها:

(1) الرب واحد، فجميع المسلمين يؤمنون بالله الواحد الأحد رب العالمين.

(2) النبي واحد، فجميع المسلمين يؤمنون بنبوة محمد ’، ولكن البعض ولأجل ضرب وحدة المسلمين يزعم أن الشيعة يقولون أن النبي هو على × ولكن جبرئيل خان الأمانة والعياذ بالله وأعطى الرسالة لمحمد ’، ولذلك يقولون ثلاث مرات في نهاية الصلاة خان الأمين، أو أنه تاه لشدة الشبه بينهما، فأعطاها لمحمد ’ دون علي، ولذا هم يقولون: تاه تاه تاه في نهاية الصلاة.

(3) الكتاب واحد، فالقرآن الكريم هو كتاب الله المنزل وحياً على النبي ’، مصدر التشريع الأول، وهو ما بين الدفتين، من الباء الى السين، ليس فيه نقص ولا زيادة، كما يتهم البعض الشيعة بالقول بالتحريف لأجل أهداف رخيصة من ورائها تمزيق وحدة المسلمين.    

(4) القبلة واحدة، الكعبة، حرم الله، واول بيت وضع للناس، والمسلمون حيثما كانوا يتوجهون في الصلاة الى الرحاب الطاهرة في مكة.

(5) حب آل محمد، والمسلمون وإن اختلفوا في إمامة أهل البيت السياسية، ولكنهم لم يختلفوا في أمرين بخصوص أهل البيت:

الأول: إمامتهم العلمية، حتى أن الخلفاء الأوائل كانوا يرجعون للإمام أمير المؤمنين × إذا ضاقت بهم السبل وعزّ عليهم الجواب، وقد ورد عن النبي ’ شأن آل محمد ’: (لا يدخلونكم في باب ضلال، ولا يخرجونكم من باب هدى، فلا تعلموهم فإنهم أعلم منكم… الخبر)([7]).  

الثاني: مودتهم، حيث أمر بذلك الكتاب العزيز، قال تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} (الشورى:23)، فالمسلمون كلهم مجمعون على مودة أهل البيت، حتى أنهم يسمون المبغضين لأهل البيت نواصباً، ولهم في الفقه أحكاماً خاصةً.

(6) التكاليف واحدة، فكل المسلمين يصلون الخمسة ويصومون رمضان ويحجون البيت ويدفعون الزكاة، وغير ذلك كثير، معم هناك فوارق فرعية كالفلاق بين غسل الرجلين ومسحهما في الوضوء، وهذا ناشئ من الاختلاف في فهم الدليل…

المبحث الثالث: معنى النعمة.

قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}

تذكيرٌ للمسلمين بحجم النعمة التي غمرهم بها الله بعد أن كانوا أعداءً متنافرين، حيث كانوا مجموعة من القبائل يغزو بعضهم بعضا ويقتل بعضهم بعضاً، كما قال في سورة الجمعة: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (الجمعة:2)… والأُلفة بين قوم متناحرين ليس بالأمر الهين كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (الأَنْفال:62-63).

بقي هنا أن نعرف ما هي النعمة التي بها حدث هذا التغير الكبير بسببها، وفي مقام الجواب ذُكر رأيان:

الرأي الأول: النعمة هي الإسلام، بقرينة قوله تعالى: {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً} أي قبل الإسلام، {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} به، ولا ريب أن الإسلام الذي جاء به النبي الخاتم ’ هو الذي قلب أوضاع الجزيرة العربية، وحول العرب من أمة بالية الى أمة راقية، أمة تتطلع الى قيم السماء والقرب من الله تعالى.

الرأي الثاني: النعمة هي الولاية، واستدل لذلك بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} (المائدة:3)، حيث أن هذه الآية نزلت يوم الغدير، يوم نُصّب أمير المؤمنين × ‘ماما وعلما وهاديا.

ونستطيع القول أن كلا الرأيين واحد، فبملاحظة الآية الشريفة نجد أن الإسلام الكامل هو إسلام الولاية… وهو النعمة الحقيقية ومن دون الولاية سوف يكون ناقصاً وأبترا.     

المبحث الرابع: أنواع الأخوّة في الإسلام.

قوله تعالى: {فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا}

الباء سببية، أي بسبب تلك النعمة أصبحتم إخوانا بعد أن كنتم ممزقين، فاعرفوا قدر تلك النعمة، واشكروا الله أن هداكم للإيمان.

أقسام الأخوّة: الأخوّة في الإسلام ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الأخوّة النسبية، فقد يشترك شخص مع شخص آخر بالأخوة من طرف الأب أو من طرف الأم أو من الطرفين معا… وهذه الأخوة لها أحكامها الفقهية، كالتوارث وحرمة النكاح، وصلة الرحم.. وغير ذلك.

القسم الثاني: الأخوة من الرضاع، وهذا النوع من الأخوة أيضا له باب في الفقه الإسلامي، وله أحكامه الخاصة التي أبرزها حرمة النكاح، بين الرضيع والمرضعة، وأولاد صاحب اللبن… الخ من الأحكام المفصلة.

القسم الثالث: الأخوة الإيمانية، كما في الآية محل البحث، وكما في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات:10)، وهي أعلى الأقسام، لأن الأخوة الصلبيين قد يتقاتلا دفاعا عن العقيدة، أما بين الأخوة المؤمنين فلا، ولهذا النوع من الأخوة أحكام أخلاقية كثيرة ذكرها أهل البيت في الكثير من الأحاديث منها:

ما في الكافي عن جابر الجعفي قال: تقبّضت([8]) بين يدي أبي جعفر × فقلت: جعلت فداك، ربما حزنت من غير مصيبة تصيبني أو أمر ينزل بي حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي، وصديقي، فقال ×: نعم يا جابر إن الله عز وجل خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجري فيهم من ريح روحه، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه، فإذا أصاب روحا من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن حزنت هذه لأنها منها([9]).

وفيه أيضاً عن أبي عبد الله × قال: المؤمن أخو المؤمن، عينه ودليله، لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشه ولا يعده عدة فيخلفه([10]).

وفيه أيضاً عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله × يقول: المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد، إن اشتكى شيئا منه وجد ألم ذلك في سائر جسده، وأرواحهما من روح واحدة، وإن روح المؤمن لأشد اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها([11]).

وفيه أيضا عن حفص بن البختري قال: كنت عند أبي عبد الله × ودخل عليه رجل فقال لي: تحبه؟ فقلت: نعم، فقال لي ولم لا تحبه وهو أخوك وشريكك في دينك وعونك على عدوك ورزقه على غيرك([12]).

وفيه أيضا عن أبي عبد الله × قال: حق المسلم على المسلم أن لا يشبع ويجوع أخوه، ولا يروى ويعطش أخوه، ولا يكتسي ويعرى أخوه، فما أعظم حق المسلم على أخيه المسلم، وقال: أحب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك، وإذا احتجت فسله وإن سألك فأعطه لا تمله خيرا ولا يمله لك، كن له ظهرا، فإنه لك ظهر، إذا غاب فاحفظه في غيبته، وإذا شهد فزره وأجله وأكرمه، فإنه منك وأنت منه، فإن كان عليك عاتبا فلا تفارقه حتى تسأل سميحته، وإن أصابه خير فاحمد الله، وإن ابتلي فأعضده، وإن تمحل له فأعنه، وإذا قال الرجل لأخيه: أف انقطع ما بينهما من الولاية، وإذا قال: أنت عدوي كفر أحدهما، فإذا اتهمه انماث الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء([13]).

وغير ذلك من الأحاديث والوصايا التي تسمو بالإنسان الى صف الملائكة.

 

[1])) الصدوق، الخصال، ص65.

[2])) معاني الأخبار للصدوق ص132.

[3])) تفسير ابي حمزة الثمالي، ط الأولى 1420هـ- 1378ش، المطبعة: مطبعة الهادي، الناشر: دفتر نشر الهادي، أعاد جمعه وتأليفه: عبد الرزاق محمد حسين حرز الدين / مراجعة وتقديم: الشيخ محمد هادي معرفة، ص138.

[4])) مفاتيح الجنان، ص563.

[5])) المصدر نفسه، ص736.

[6])) امالي الطوسي، ص460.

[7])) الكافي للكليني، ج1ص209.

[8])) أي انقبضت نفسي.

[9])) الكافي، ج2ص166.

[10])) المصدر الصفحة نفسهما.

[11])) المصدر الصفحة نفسهما.

[12])) المصدر الصفحة نفسهما.

[13])) الكافي، ج2ص170.