في ظلال الآيات حلقة(46)

242

في ظلال الآيات حلقة(46)

الشيخ عبد الرزاق النداوي

 

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات:13).

موضوع هذه الآية الشريفة ينصب على بدء الخليقة، والغاية التي خلق من أجلها الإنسان، وفيها  مباحث:

الأول: أنواع الخطاب القرآني.

الثاني: معنى الشعوب والقبائل.

الثالث: الغاية من الخلق.

وسنعرض لها على التوالي.

المبحث الأول: أنواع الخطاب القرآني.

ينقسم الخطاب القرآني الى عدة نوعين رئيسيين:

النوع الأول: خطاب محدود خاص بفئة معينة، ومن أمثله:

(1) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} الذي ورد في (89) مورداً اغلبها تكاليف، وهي خاصة بالمؤمنين، وإنما لم يقل: (يا أيها الذين أسلموا) أو (يا أيها المسلمون)؛ لأن المؤمنين هم الذين هيئوا أنفسهم لتلقي أوامر الله تعالى واستعدوا لتنفيذها، فاختصهم بالخطاب تشريفا لهم.

(2) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا} ولم يرد هذا الخطاب إلا مرة واحدة في سورة التحريم الآية (7)، وهو أيضا خاص بفئة الكفار.

(3) {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ}، وهو خاص بأصحاب الديانات السماوية كاليهود والنصارى وغيرهم، وهو أيضا خاص بهم كما هو واضح.

(4) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا}، وهذا خطاب خاص باليهود كما هو واضح، ولن يرد إلا مرة واحدة في سورة الجمعة الآية (6).

النوع الثاني: خطاب عام غير خاص بفئة معينة أو جماعة مخصوصة،  وله عدة صيغ منها:

(1) {يَا بَنِي آدَمَ} وقد جاء هذا الخطاب في (5) موارد.

(2) {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} وهذا جاء في (20) مورداً.

(3) {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ} وهذا جاء في موردين.

والفرق بين هذين النوعين من الخطاب أن موضوع الخطاب المتوجه الى فئة معينة خاص ومحدود بحدود تلك الفئة، أما موضوع الخطاب العام فواسع وعام بعموم المخاطبين، فإذا قال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} فالموضوع الذي يطرح معه لابد أن يهم جميع الناس ويلامس واقعهم، كما في الآية محل البحث، حيث قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} فموضوع الخلق ليس خاصاً بفئة معينة وإنما يعم جميع الناس.

والخلق هو الإبداع من دون تقليد للغير، قال في لسان العرب: (خَلق الله الشيء يَخلُقه خلقاً أَحدثه بعد أَن لم يكن)([1]).

وأما قوله تعالى: {مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} فيحتمل وجهين:

الوجه الأول: إن المقصود بالذكر والأنثى القريبين، أي الوالد والوالدة,

الوجه الثاني: المراد به البعيدين، أي أول ذكر وانثى، وهما آم وحواء ‘، ولعل هذا هو الأقرب لمراد الآية؛ لأنها تتحدث عن تكون الشعوب والقبائل، وهذان متفرعان عن أول زوجين…

وينبغي الإلتفات الى أن الزوجية مبدأ عام يعم الإنسان والحيوان والنبات بل قد يكون في سائر المخلوقات كما قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (الذاريات:49).

المبحث الثاني: معنى الشعوب والقبائل، في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ}.

ذكر المفسرون في هذا المعنى رأيين:

الأول: إن القبيلة هم الذين ينتمون الى جد واحد، كما يقال بني هاشم أو بني أسد، فهؤلاء جدهم الأعلى هاشم وأسد، وأما الشعب فهو مجموعة القبائل.

الثاني: إن القبائل هم العرب؛ لأن العرب ينسبون انفسهم الى أجدادهم، كما تقدم، وأما غير العرب فينسبون أنفسهم الى مناطق سكناهم، فيقال مثلاً: طوسي أو خوئي أو أراكي.

وللقبيلة في تاريخ العرب أهمية كبيرة، والعرب يهتمون بأنسابهم وقبائلهم، ولا ضير في ذلك، فالإسلام لم يلغ موضوع القبيلة والعشيرة، وإنما قنن بعض الأمور المرتبطة بها، وحاول توجيهها بالوجهة الصحيحة، ويمكن معرفة اهمية القبيلة بملاحظة النقاط التالية:

النقطة الأولى: اعتماد جملة من المسائل الفقهية والأحكام الشرعية على موضوع النسب، ومنها:

(1) تحرم الزكاة والصدقات الواجبة على كل هاشمي؛ ينتمي لهاشم جد النبي ’ الأعلى.

(2) وكتعويض عن الحرمان الذي ورد في (1)، اختص الفراء من بني هاشم وأهل البيت ^ بالخمس.

(3) إم دية المقتول خطأً تتحملها العاقلة وليس القاتل، والعاقلة هم أقرباء القاتل.

(4) ورد عن النبي ’:  (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم)([2]).

النقطة الثانية: إن العشيرة تعتبر مصدر قوة للفرد، وهي كذلك، ولذا جاء في وصية أمير المؤمنين × لابنه الحسن ×: (وأكرم عشيرتك فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك التي بها تصول…)([3]).

ومن اللطائف في هذا الباب يروى أنه دخل شريك بن الأعور على معاوية وكان دميماً([4]) فقال له معاوية: إنك لدميم والجميل خير من الدميم، وإنك لشريك وما لله من شريك، وإن أباك لأعور والصحيح خير من الأعور، فكيف سدت قومك؟ فقال له: إنك معاوية وما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت الكلاب، وإنك لابن صخر والسهل خير من الصخر، وإنك لابن حرب والسلم خير من الحرب، وإنك لابن أمية وما أمية إلا أمة صغرت، فكيف صرت أمير المؤمنين؟ فغضب معاوية، ثم خرج وهو يقول:

أيشتمني معاوية بن حرب *** وسيفي صارم ومعي لساني

وحولي من ذوي يزن ليوث *** ضراغمة تهش إلى الطعان

يعير بالدمامة من سفاه *** وربات الجمال من الغواني([5])

فشريك هذا لم يكن باستطاعته الرد على معاوية لو لم يكم من حوله رجال ابطال من بني يزن كما قال.

النقطة الثالثة: يمكن اعتبار العشيرة واحدة من مؤسسات المجتمع المدني، والإستفادة منها في أمور:

الأول: توعية أفرادها.

الثاني: التأكيد على اختيار الشيوخ الأكفاء والصالحين.

الثالث: ربطها بالحوزة العلمية وبث الوكلاء فيها من ابنائها.. كما عمل على ذلك بعض الفقهاء.

الرابع: العمل على تنقية التقاليد والسواني العشائرية مما يخالف الشرع، ومن الأمور السيئة المتوارثة، وما أكثرها، ومنها:

  • انهم لا يهتمون باختيار الشيخ على أسس صحيحة، وغالباً ما يكون بالوراثة,
  • إنهم قد يقتل الكثير منهم بنزاعات على أمور تافهة لا قينة لها.
  • غلباً هم لا يهتمون بالأحكام الشرعية، فيتركون أحكام الله تعالى ويأخذون بأحكام من يسمونه (الفريضة).
  • إطلاق العيارات النارية في حفلات الزواج تشييع الجنائز ورجوع الحجاج من بيت الله…
  • قول الشعر بالباطل وكذبا وزورا من قبل الشعراء أو ما يسمى بالـ (المهوال)، فيصير البخيل حاتم الطائي، والجبان عنترة بن شداد… أو يقوا ما فيه الكفر مثل:

ـ (احتاجه الباري وودّه عليه).

ـ (جينا نعاتب عزرائيل شلون يموت سعيد).   

وغير ذلك من الترهات والكلام الفارغ.

المبحث الثالث: الغاية من الخلق.

قوله تعالى: {لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ}، أي خلقناكم على هذه الشاكلة لتعارفوا لا لتفاخروا، (والمعنى: أنا خلقناكم من أب وأم تشتركون جميعاً فيهما من غير فرق بين الأبيض والأسود والعربي والعجمي، وجعلناكم شعوبا وقبائل مختلفة لا لكرامة لبعضكم على بعض بل لان تتعارفوا فيعرف بعضكم بعضاً، ويتم بذلك أمر اجتماعكم فيستقيم مواصلاتكم ومعاملاتكم، فلو فرض ارتفاع المعرفة من بين أفراد المجتمع انفصم عقد الاجتماع وبادت الانسانية، فهذا هو الغرض من جعل الشعوب والقبائل لا أن تتفاخروا بالأنساب وتتباهوا بالاباء والأمهات)([6]).

وأما قوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} فبيان للكرامة الحقيقية، إذ قد يتصور الإنسان أن كرمته بالانتساب الى الجد الفلاني أو الجدة الفلانية أو القبيلة الفلانية، أو لأنه جميل الوجه، أو أبيض البشرة، أو طويل القامة… وهلم جرا… والحقيقة أن هذه الأمور كلها خارجة عن إرادة الإنسان وليس من صنعه، وهي إن كانت من النعم فتستحق الشكر المضاعف لأنها تحصل للفرد بلا جهد.

وإنما القيمة الحقيقية للإنسان بما هو تحت سلطانه ومن صنعه، كما ورد عن أمير المؤمنين ×: (قيمة كل امرئ ما يحسنه)([7])، وأحسن الحسن القرب من الله تعالى، وذلك لا يكون إلا بالتقوى… ولهذا ما انفك رسول الله ’ يذكر بني هاشم بهذه المعاني مخافة أن يميزوا أنفسهم على سائر المسلمين بقربهم لرسول الله ’، ومن ذلك ما روي عن أبي جعفر × قال: (قام رسول الله ’ على الصفا فقال: يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب إني رسول الله إليكم، وإني شفيق عليكم، وإن لي عملي ولكل رجل منكم عمله، لا تقولوا: إن محمدا منا وسندخل مدخله، فلا والله ما أوليائي منكم ولا من غيركم يا بني عبد المطلب إلا المتقون، ألا فلا أعرفكم يوم القيامة تأتون تحملون الدنيا على ظهوركم ويأتون الناس يحملون الآخرة، ألا إني قد أعذرت إليكم فيما بيني وبينكم وفيما بيني وبين الله عز وجل فيكم)([8]).

وبالجملة فإن الآية ذكرت غايتين للخلق:

الأولى: التعارف، وهو لا يتم إلا بالتواضع والتحبب والتلطف أي بمجمل الفضائل والأخلاق التي حث عليها الإسلام كما في الحديث عن النبي ’: (تخلقوا بأخلاق الله)([9]).

الثانية: التقوى، والتي مآلها القرب من الله تعالى.

وبعبارة أخرى فإن الغايتان يراد منهما أن يكون الإنيان خليفة حقيقياً لله تعالى، ومَظهراً لجمال وجلال الله. 

روايات ذات صلة

عن أبي جعفر × قال: (كان سلمان جالسا مع نفر من قريش في المسجد، فأقبلوا ينتسبون ويرفعون في أنسابهم حتى بلغوا سلمان، فقال له عمر ابن الخطاب: أخبرني من أنت ومن أبوك وما أصلك؟ فقال: أنا سلمان بن عبد الله، كنت ضالا فهداني الله عز وجل بمحمد ’، وكنت عائلا فأغناني الله بمحمد ’، وكنت مملوكا فأعتقني الله بمحمد ’، هذا نسبي وهذا حسبي، قال: فخرج رسول الله ’ وسلمان رضي الله عنه يكلمهم، فقال له سلمان: يا رسول الله ما لقيت من هؤلاء جلست معهم فأخذوا ينتسبون ويرفعون في أنسابهم حتى إذا بلغوا إلي قال عمر ابن الخطاب: من أنت وما أصلك وما حسبك؟ فقال النبي ’: فما قلت له يا سلمان؟

قال: قلت له: أنا سلمان بن عبد الله كنت ضالا فهداني الله عز ذكره بمحمد ’، وكنت عائلا فأغناني الله عز ذكره بمحمد ’، وكنت مملوكا فأعتقني الله عز ذكره بمحمد ’، هذا نسبي وهذا حسبي، فقال رسول الله ’: يا معشر قريش إن حسب الرجل دينه، ومروءته خلقه، وأصله عقله، وقال الله عز وجل: {إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، ثم قال النبي ’ لسلمان: ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل إلا بتقوى الله عز وجل وإن كان التقوى لك عليهم فأنت أفضل)([10]).

 

 

 

 

[1])) ابن منظور، لسان العرب، ج10ص85.

[2])) مستدرك الوسائل، ج15ص276.

[3])) اهج البلاغة، ج3ص57.

[4])) غير جميل.

[5])) الغدير، ج10ص171.

[6])) الميزان، ج18ص326.

[7])) نهج البلاغة، ج4ص18.

[8])) الكافي، ج8ص182.

[9])) البحار، ج58ص129.

[10])) الكافي ج8ص181.